تحبني.. لا تحبني، يحبني.. لا يحبني، يحبوني.. لا يحبوني!! لسان حال الحاكم الذي يضع مجساته على وصلات الإنترنت. وفي قلب كل قلم حرٍ نية إعلان ذلك لو أتيح له أن يعبّر أو يعبُر إلى فضاء البوح.
كنت متخصصاً في مجال البرمجة والنشر الإلكتروني، وأعلم يقيناً أن الكلف الباهضة التي تنفثها السلطات المتخلفة لحجب المواقع أو مراقبة مرتاديها بات يمكن القفز عليها مجانا. ما يضع من المتعللين بحجج الأمن القومي (الواهية) في دائرة السخف.
كانت مشاركاتي في تدريب النشطاء على أمن المعلومات وحفظ الخصوصية تصطدم بفكرة في رأسي أجهر بها للمتدربين، إلى متى سنبقى نتخفى؟ لماذا علي أن أخاف حين أكشف جريمة أو أكتب فكرة أو رأياً؟ كانت هذه الفكرة محل جدلٍ دائم. في العام 2001 حسمنا في ملتقى البحرين BahrainOnline هذا الجدل، كشفنا في جلسة مسجلة تبث على الإنترنت أسماءنا في إدارة الملتقى، فعلتها وفعلها علي عبدالإمام وفعلها آخرون. كانت البحرين وقتها في مفصلٍ سياسي استلزم أن يتعود الناس أن الجهر برأيهم علناً، وكان على إدارة الملتقى آنذاك أن تبادر إلى هذا لتكون الحاضنة المسؤولة لهذا الخيار، والمشجعة عليه. لكنا دفعنا ضريبة هذا العمل العلني باعتقالنا في 2005.
و جاء العام 2011 ليكون فاصلاً في توجهات ووعي المدونين العرب، فقد لاحظت من اجتماعنا الثالث كمدونين في تونس اختلافاً في مزاج ونفسية المدونين، حلقات النقاش وورش العمل المتعلقة بالخصوصية والأمان والتي كانت تعج بأعضائها تحولت إلى حلقات صغيرة محدودة، وتحول المدونون المشاركون إلى راغبين في اكتساب مهارات الإتصال والنقاش الجماعي وتبادل الخبرات في مجالات أخرى.
اليوم في 2013 أستطيع أن أقول، أن بعضنا دفع – مجدداً- ضريبة العمل العلني. ولأن الديكتاتور زين العابدين بن علي تم خلعه، يستطيع صديقي سامي بن غربية العودة إلى تونس، وأستطيع زيارته فيها. لكن على علي عبدالإمام أن يختفي أو يستسلم للتعذيب 15 عاماً في سجون ديكتاتور البحرين وزبانيته، وعلي أن عيش الغربة التي عاشها سامي في مهجره 13 عاماً لمدى لا أعرفه حين أرى أن من كان ناطقاً باسم لجنة الدفاع عنا في 2005، المدون نادر عبدالإمام معتقلاً اليوم في البحرين. مضافاً إلى حالات انتهاك عديدة وقعت في حق المدونين والمدافعين عن حقوق الإنسان في البحرين وبقية الدول العربية.
في تونس2011، كان معتز شقشوق من وكالة الانترنت في تونس يعلن في مؤتمرنا للمدونين عن عزمه ممثلاً للدولة التونسية استضافة نظام TOR للتصفح الآمن، بينما تمعن الإستخبارات البحرينية في استحداث أو شراء أنظمة التتبع والرقابة. فقد كشف الحقوقي عبدالغني خنجر عن فضيحة لأجهزة نوكيا سيمينز التي استخدمت لعرض محادثاته الخاصة أمامه في غرف التحقيق والتعذيب. الأكثر من ذلك هي فضيحة برامج التجسس والاختراق فاينفيتشر التي اكتشف النشطاء البحرينيون فيروساتها في صناديقهم البريدية.
لا توجد تشريعات تحمي خصوصية مستخدمي الإنترنت بشكل كافٍ، والعقليات التي تدير شعوبنا بصفة الرعايا لم تتغير. تبين بما لا يدع مجالاً للشك أن الأزمة بيننا وبين حكامنا ليست في وجودهم القبيح على رأس السلطة فقط، ولكن في العقليات القبيحة التي يديرون بها هم أو من يخلفهم شؤوننا.
البداية تأتي دائما بداعي الخوف والشفقة على المجتمع من الفساد، وبداع حجب المواقع “الإباحية” أو “المسيئة للدين”. ولكن هذه الذرائع هي الذراع الذي يُسقط الفأس على رأس الحرية، وإذا وجدت التجهيزات والتشريعات التي تبيح لسلطة ما الإتاحة والحجب، فإن هذه التجهيزات تكون المدخل على التجسس ومراقبة ما سيعتبر لاحقاً المساس ب “ولي الأمر” والذوات المصونة التي لا تمس، والذي هو ذاته “الأمن القومي” و”السيادة الوطنية” التي ستحيل المواطن إلى المستباح الملعون عاجلاً أو آجلا.
اليوم في 2013 لسنا متأكدين إن كانت مصر وتونس وليبيا مازالتا تتابعان نشاط التتبع والمراقبة من عدمه، لكننا متأكدون منه في البحرين. وما نحن متأكدون منه أيضاً: من راقب الناس، زال خلعاً!







